خطابات نسوية

خطابات نسوية

إن الخطابات النسوية مهمة للغاية ويمكننا الاستعانة بها لفهم طبيعة الحركة النسوية وأهم أهدافها وإنجازاتها، فالحركة النسوية ليست مجرد حركة اجتماعية بل هي مدرسة فكرية ترفض القمع القائم على أساس نوع الجنس، وعدم المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق الاجتماعية والسياسية والمدنية، ونهوض المجتمعات الذكورية التي تعامل فيها النساء كإنسان درجة ثانية؛ لهذا نحن في موضوعنا هذا ومن خلال موقع إيزيس سنقترب أكثر من معرفة الخطابات الخاصة بالنساء.

الخطاب النسوي

قد تمكنت المرأة من أن تؤسس خطاب ثقافي يمثلها ويعبر عن حقوقها الطبيعية لكونها إنسان من حقه أن يتلقى حقوقه كاملة مثلها مثل الرجل، ومن حقها رفض سوء المعاملة وعدم العدالة التي تواجهها فقط لأنها مختلفة بيولوجيًا عن الرجل، وقد ظهر الخطاب النسوي والتوجهات النسوية منذ وقت مبكر ومع الوقت استطاعت الخطابات النسوية أن تجذب الكثير من المؤدين سواء من النساء أو الرجال.

التعريف بالنسوية

إن النسوية عبارة عن مجموعة من التصورات الفلسفية والفكرية التي تحاول فهم أسباب وجذور التفرقة بين الرجل والمرأة من أجل أن تتحسن أوضاع النساء في شتى أنحاء العالم، وترفع عنهم الظلم الذي يمارسه المجتمع عليهن لمجرد كونهن إناث، وتسعى إلى أن تزيد من فرصتهن في كل المجالات وتحريرهن من الصورة النمطية التي رُسمت لهم وتخليصهن من قيود القوالب النمطية التي وضعن فيها.

مع تطور النسوية لم تعد الآن مجرد أفكار نظرية أو شعارات حماسية مؤسسة في الفراغ، بل أصبحت تقوم على الإحصائيات والحقائق عن أوضاع النساء في شتى أنحاء العالم، كما تقوم برصد مقدار التفرقة عليهن سواء من خلال التمييز في المعاملة أو توزيع الثروة أو الفرص أو المناصب، بل في بعض البلدان يصل إلى التفرقة في متطلبات الحياة الأساسية من ” مأكل ومسكن وتعليم وغيرها..

نتيجة لهذا التطور أصبحت النسوية علم ووعي، وأصبحت مدرسة فكرية ينتمي إليها عدد كبير من المفكرين والمحليين، بل وصارت تُدرس في العديد من الجامعات في العالم كأحد المواد، وأصبح البعض ينال شهادات الماجستير ويحصل على درجة الدكتوراه في الدراسات النسوية.

النسوية كحركة اجتماعية وعلم وفكر

إن النسوية عبارة عن دراسة عميقة حول التمييز بين الرجال والنساء في كافة نواحي الحياة وجوانبها، وتؤسس على كل الحقائق سواء حقائق مباشرة أو ضمنية، فهي تدرس أسباب التفرقة والتمييز والذي يطلق عليه “الفجوة النوعية”، كما أن هناك خطابات نسوية تضع حلول لسد تلك الفجوة والتغلب عليها.

يعتبر الوعي النسوي هو إدراك تلك الحقائق، والعلم بالظلم الواقع على النساء، والذي لم يكن مجرد صدفة تاريخية بحتة ولا مشكلة خاصة بمجتمع معين دون غيره، بل هي مشكلة عالمية بعض الدول استطاعت تخطيها إلى حد كبير والبعض الآخر يحاول، والبعض لا يعترف من الأساس بوجودها.

إذًا فالوعي بالنسوية يأتي في اللحظة التي ندرك فيها العوامل المسببة لهذا التميز ونعترف بها والوعي بما يمكننا فعله حيال ذلك، كما أن الوعي يلزمه توعية أي نرفع من إدراكنا وإدراك أفراد المجتمع الذي نعيش فيه، ونبدأ من المحيط الأقرب لنا ومن ثم نتوسع.

أهم ما جاء في الخطاب النسوي

 

تناولت الخطابات النسوية العديد من المواضيع، وما يلي أهم ما تناولته:

الفجوة النوعية

إن الفجوة النوعية هي الفرق في البيانات والإحصائيات عن كل الحقوق بين النساء والرجال، ولا يوجد بلد في العالم لا توجد فيه تلك الفجوة، وبالطبع فإن الأمر يختلف من الدول المتقدمة والدول النامية والدول الفقيرة، حيث تختلف نسبة الفجوة من بلد لآخر حسب مدى حرصها على سد تلك الفجوة قدر المستطاع.

وتتضح لنا الفجوة في نواحي عديدة أشهرها، توزيع الثروات والتعليم وامتلاك الأراضي والثروات العينية أو النقدية، وفي تقلد المناصب الإدارية والسياسية والوظائف القيادة، ويوجد نوعان لفجوات النوع الاجتماعي وهما:

  • فجوة نوع كمية: تظهر هذه الفجوة في الأرقام والتقارير الإحصائية حول الفرق بين الرجال والنساء في جميع المجالات والوظائف.
  • فجوة نوع كيفية: تظهر هذه الفجوة في القوانين واللوائح التي تميز بين الرجل والمرأة، وتشجع على التفرقة بينهما، وتتضمن كذلك فجوة نوع غير مرئية والتي تتضمن التصورات والمعتقدات والتحيزات التي توضح طبيعة نظرة المجتمع للمرأة، ومن هنا نستطيع القول بأن الفجوة الكيفية تؤدي إلى الكمية.

يأخذ التمييز على أساس النوع الاجتماعي شكلين، وهم التمييز الإيجابي والآخر التمييز السلبي، ونحن هنا لا نعرف بالتمييز ذاته بل بأنواع التمييز القائمة على أساس النوع والجنس، أما فكرة التميز نفسها فهي فكرة سلبية وفعل سلبي وممارسة خاطئة لا بد أن تنتهي.

التمييز الإيجابي

هو إجراء مؤقت نوعًا ما يتم تجاه فئة أو نوع معين في العمل بغرض تشجعيه وإلحاقه بفئات أخرى، وقد ذكرت اتفاقية السيداو في أحد بنودها أن التمييز الإيجابي يتم بشكل مؤقت؛ حتى نستطيع أن نرفع عن النساء الظلم والاضطهاد الواقع عليهن بناء على النوع والجنس، وقد قامت أكثر من دولة مع الأسف بتجاهل بنود الاتفاقية وهو ما دفع لجعله بند توصية.

التمييز السلبي

هو تفضيل أو استثناء أو تقييد لإنسان عن إنسان آخر لمجرد أن جنسه مختلف، وهو ما تهدف الحركات النسوية وجمعيات حقوق المرأة القضاء عليه، ومن أشهر أشكال التمييز السلبي في القانون المصري ضد النساء: قانون الأحوال الشخصية، وقانون الطاعة، وقوانين النفقة، والرؤية، وقانون الطلاق للضرر، وقانون العقوبات ضد جرائم الشرف وجرائم الزنا، وحتى في قانون العمل.

الفرق بين التضامن النسوي والوعي النسوي

إن الوعي النسوي هو شعور وإدراك الأشخاص بمشكلة التمييز التي يتعرض لها النساء لمجرد كونهم نساء وقد شرحنا ذلك أعلاه، أما التضامن النسوي فهو القوة والدعم والنصرة التي يخلقها تجمع حشود النساء على قضايا مشتركة تجمعهن، ويأخذ هذا التضامن أشكال عديدة، مثل: الدعم النفسي، والدعم المادي، والدعم المعنوي.

يعتبر هذا التضامن النسوي أحد أبرز آليات وطرق نضال الحركة النسوية؛ لأنه يشتمل على تفهم النساء لطبيعة المشكلات التي يشتركن فيها، ويتمكن من الإحساس بالظلم الواقع عليهن وتقدرين، وبالتالي مساندة بعضهن البعض.

النسوية وتمكين النساء

إن أهم ما تناولت الخطابات النسوية وأهداف الحركة النسوية هو تمكين المرأة أي جعلها فردًا واعيًا ومؤثرًا وإكسابها ثقة بالنفس والقدرة على مقاومة عدم المساواة بينها وبين الرجال، وكان هدف هذا التمكين هو التقليل من العبء المتواصل والمتزايد مع الوقت بسبب الجهل، والثقافة الذكورية، والمجتمع الأبوي الذي يلقي بأعبائه على كاهل النساء ويحملهن نتيجة عدم وعيه الكافي بطبيعة النساء وقدراتهن.

كما يهدف للتخلص من عدم المساواة في البناء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وعدم المساواة بسبب عدم فعالية الآليات المفترض توافرها، حتى نتمكن من النهوض بالمرأة على كافة الأصعدة والمستويات.

تاريخ الحركة النسوية

قد قسم المفكرون تاريخ الحركة النسوية إلى عدة موجات توضح لنا طبيعة الخطاب النسوي، وسنعرضها لكم فيما يلي:

الموجة الأولى للحركة النسوية

قد بدأت الموجة الأولى للحركة النسوية في القرن التاسع عشر وتحديدًا في الأربعينيات، حيث نادت النساء في الولايات المتحدة الأمريكية وفي المملكة المتحدة بحق المرأة في الإدلاء بصوتها والاقتراع في الانتخابات، واستمرت تلك الحركة حتى نصف القرن العشرين وقد كانت تتكون من نساء غربيات مشكلتهن الأساسية هي الحواجز القانونية والتصويت.

قد كانت الحركة النسوية محصورة على نساء بيض قد تجاهل ما يواجه غيرهن من النساء من مشاكل أخرى، خاصة النساء السود في تلك الفترة وما تعرضن له من ألوان من العنصرية والعبودية وعدم المعاملة بشكل إنساني، كما أنها اقتربت من النموذج الذكوري كي تحصل على بعض حقوق الإنسان التي كانت محصورة على الرجل مما جعلها تطمس خصوصيات المرأة.

الموجة الثانية للحركة النسوية

يرجع تاريخ الموجة الثانية للحركة النسوية لستينات القرن العشرين، وقد كانت أقوى من الموجة الأولى وأكثر راديكالية فلم تكن تركز على المساواة مع الرجل في الحقوق السياسية فقط، بل ركزت على المساواة بين الرجل والمرأة في كثير من الجوانب، ولكنها قد تجاهلت الأمور المتعلقة بالعرق والطبقات مثل الموجة الأولى التي كانت عبارة عن تجليات الحداثة التنويرية.

نسوية الموجة الثانية هي النسوية الجديدة، أو نسوية ما بعد الحداثة، تميزت بتأكيدها على اختلاف المرأة عن الرجل، ومن ثم فقد سعت على اكتشاف مواطن الاختلاف حتى تتمكن من استغلالها في صالح الجميع، وقد نادت بحرية الجسد والحق في الإجهاض وغيرها من الأمور.

الموجة الثالثة للحركة النسوية

بدأت الموجة الثالثة في تسعينات القرن العشرين وما تزال مستمرة معنا إلى الآن، وتشكل العديد من المجموعات والحركات النسوية، وقد كانت مرتبطة بعقلية ما بعد الاستعمار، واهتمت الموجة الثالثة بأشياء أكثر تعمقًا في قضية المرأة ونادت بتنفيذ ما يسمى بالنظرية التقاطعية.

تعتبر النظرية التقاطعية عن كون كلمة المرأة لا تعبر عن مجموعة واحدة وحسب، بل تعبر عن جميع النساء وأن الهويات كثيرة وعليه، فلا يمكن إغفال التدرج الهرمي للقمع ونظم الامتيازات ولهذا فقد وضعت الموجة الثالثة الهوية الطبقية والعرقية والجنسية كمور في نضالها النسوي.

أهم إنجازات الموجة الثالثة للحركة النسوية

إن أهم ما تميزت به الموجة الثالثة للحركة النسوية كونها ركزت على الفكر وليس مجرد الحراك، ولهذا فقد وجدنا العديد من الأكاديميات من أنصار النسوية قد ساهمن في تأصيل بداية تلك الموجة والسعي لإدخال أطراف أخرى داخل الحركة، كما تطرقن لمواضيع حساسة متعلقة بالنوع لم تكن الموجات الأولى تطرقت إليها.

ساهمت كذلك الموجة الثالثة في استحداث مجموعة من المفاهيم والمصطلحات، مثل: التمييز الأثني، والتميز الجندري، والتطرق لمشاكل تواجه العابرات جنسيًا وغيرها من المسائل التي يخشى أغلب الباحثين التطرق لها؛ حتى لا يواجهن نقد المجتمع.

كما تميز الحراك النسوي الجديد بكونه لا يقتنع بالتحرر القائم على تجربة الآخرين ونسخ قصصهم، أو تقليد ما قامت بفعله الحركات النسوية السابقة، وإنما يتطرق إلى الحرية بالطريقة الخاصة بالنساء المعاصرات النابعة من رغباتهم وظروفهن وقناعتهن والتي بطبيعة الحال تتغير من جيل لجيل ومن ثقافة إلى أخرى.

أهم الخطب النسوية في القرن العشرين

هناك العديد من الشخصيات النسوية المؤثرة التي شاركت في توعية المجتمعات بحقوق المرأة وقدمن بعض الخطابات النسوية في مواقع مهمة، ومن الأمثلة على ذلك خطاب الممثلة الشهيرة إيما واتسون في الأمم المتحدة حينما شاركت كسفيرة للنوايا الحسنة، وقد أطلقت تقرير خاص لحملة “من أجلها” التابع لهيئة الأمم المتحدة للمرأة الهادفة لتحقيق المساواة بين الجنسين وتدعو لإشراك الرجال في الحركة النسوية.

يمكنك مشاهدة الخطاب كاملًا بالدخول هنا على هذا الرابط.

يوجد أيضًا خطابات نسوية مهمة للغاية توضح لنا طبيعة الحركة وتوجهات أنصارها، تتوافر هنا عبر ذلك الموقع، وأهم ما يميزها أنها متنوعة وليست لنساء غربيات فقط.

أسباب رفض الخطاب النسوي في المجتمع العربي

تلقى النسوية والنسويات في مجتمعات الشرق أوسطية والعالم العربي رفض كبير بسبب المعتقدات الخاطئة التي كونها أفراد المجتمع عن الحركة النسوية، كما يعتقد البعض أن كون الفتاة نسوية هي سمعة سيئة لها لأنهم يعتقدون أن التحرر الذي تهدف له النسوية هو خلع الملابس أو الإلحاد والسيطرة على الرجال وأخذ حقوقهم، وبالطبع كل هذا غير صحيح.

لأن النسوية حركة حقوقية وليست عنصرية ولا تهدف لنصرة جنس على جنس آخر، بل إنها تدافع عن حقوق الرجال وحرياتهم وليس النساء فحسب، كما أنها لا تطالب النساء بالتنصل من هويتهم أو التحرر من ملابسهم، بل تنادي فقط بحرية كل امرأة وكل إنسان بارتداء الملابس التي يريدها دون أن يضطر للبسها بسبب الخوف من ازدراء المجتمع.

ولهذا من المهم للغاية التعمق أكثر في الفكر النسوي ومعرفة أهدافه الحقيقية وعدم ربط بين التصرفات الفردية لأحد النسويات وبين النسوية كفكر وعلم، والسعي لإشراك الرجال في الحراك النسوي لأن دور الرجال في الحركة النسوية سيسهل على الحركة متابعة سيرها ويساعد في تنفيذ آليات التغيير بسهولة.

تعد الخطابات النسوية واحدة من أهم الخطابات التي تقوم بدعم المرأة، حيث قمنا بتوضيح أهم أهدافها وتوجهاتها وما ركزت عليه من قضايا، وكذلك تاريخ تطور موجات النسوية الثلاثة، واستنتجنا أنها أعمق من التصورات الشائعة عنها.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.