تزوجنا عن حب ولكن..!

تزوجنا عن حب ولكن حدث ما كان خارجًا عن سقف أحلامي، بل خارجًا عن إرادتي وتوقعاتي، فأنا الفتاة التي أحبت في العشرين وكانت مأساتها الأكبر في الثلاثين.. فكانت فترة شبابي هي الأتعس على الإطلاق، رغم رؤيتي للأجواء الوردية حينما دقت نبضات قلبي لمن أحببت صدقًا ومنحته مشاعر فيّاضة، ها أنا أسرد عليكم قصتي من خلال موقع إيزيس لعلّكم تأخذون منها العظة التي اعتبرت منها.. ولو بعد فوات الأوان.

تزوجنا عن حب ولكن

قال الله تعالى في سورة الروم: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)”.. صدقت كلمات الخالق، التي ما إن أدركنا الحكمة في معانيها، لما كنا هلكنا في حياتنا الدنيا، فقد ربط الله –عز وجل- الزواج بالمودة والرحمة، ولم يربطه فقط بمشاعر الحب، ربما لم أدرك هذا المعنى إلا بعد أن خضت تجربة بنفسي لتكون خير دليلًا على ذلك.

تعرفي أيضًا على: أقوال أنيس منصور عن الزواج

رؤيتي المحدودة للزواج

أكثر ما تأمل به الفتيات لاسيما المراهقات، قصة الحب الرائعة التي ترى فيها محبوبها يخوض لها حروبًا لأجل عينيها، وهي تنتظره وتتمسك به، ليكون دورها عظيمًا في قصة حبهما، التي تسعى بكل جهدها إلى أن تكلل بالزواج.. أما عن زواج “الصالونات” كما يُدعى إنما نال كل النفور في رأي أغلب الفتيات، فأي زواج هذا الذي يفرض عليّ زوجًا دون أن يجمع بيني وبينه قصة حب؟

كان هذا جوابي حينما تقدم لخطبتي أحد الرجال، كان من أصدقاء أخي، والحق يُقال إنه كان من أفضل الرجال الذي يُمكن أن تقول عليه امرأة “فرصة”، فهو من يعمل بوظيفة مرموقة، ومستقر ماديًا، ناهيك عن أنه شاب وسيم محترم إلى أبعد حد، فقط يبحث عن زوجة تقيّة تُكمل له ما ينقصه من الاستقرار، وما كان له إلا أن سأل أخي متعشمًا في نسبه خيرًا، نظرًا لسمعة أخي التي لا تشوبها شائبة.. وعندما أخبروني بذلك العريس الرائع من وجهة نظرهم، رفضت من فوري.

لم أكن أعلم السبب الحقيقي وراء رفضي، فقد رفضت أن أمنح لنفسي فرصة حتى في رؤيته أو مقابلته ولو لمرة، ربما ذلك الرجل الذي يجتاج جوارحي ويتمكن من قلبي تدريجيًا، رغم أنه لا رابطة بيننا بعد.. ابن عمي، من تربينا معًا في الصغر، وفارقتنا ظروف السكن في الكبر، فقد دخل جامعة في محافظة أخرى، وأنا أقنط مع أهلي إثر دخولي انتساب.

كان يسبقني في الدراسة بعامين، رغم أنه يكبرني سنًا بثلاثة أعوام، وعندما كنّا صغارًا كنت دائمًا أود رؤيته ولو بعقل طفولي بريء، وهو كذلك.. كان يميزني دومًا عن بنات عمومتي، إثر اهتمامه بكل ما أحب ليحضره لي، ربما تلك التصرفات الصغيرة هي التي طبعت صورته داخلي على نحو مثالي، ليكون هو الحبيب المنتظر ومهجة القلب وسكنه.

بداية قصة الحب

لم تكن العلاقات بين أبي وعمي على أفضل نحو، فكانت أمي دومًا تقول إن ظروف التربية تختلف بيننا، فأبي اعتاد على تربيتنا بأخلاق وقيم ومبادئ.. والتي اندثرت في عائلة عمي بحثًا واهتمامًا بالمال، فكانوا الأعلى في المستوى المادي والاجتماعي، ولم يكن يشكل لي ذلك شيئًا إن لم يكن يسعدني، لأن ظروفه سانحة له بالزواج، فلا أتوقع أن ينتظر عمي كثيرًا ليزوجه بعد قدومه من الجامعة.

كنت أنتظره على أحر من الجمر، إلى حد انشغالي عن الجامعة والمذاكرة، جاء بالفعل إلى محافظتنا بعد أن أنهى عامه الدراسي، وكان اشتياقي له ذلك العام أكبر من أي عام سابق، ربما لتردد العرسان على بابي، وخوفي المحقق من ارتباطي الرسمي بشخص غيره.

ما كنت أتوقعه بالفعل رأيته.. تلك النظرات الحانية التي تنثر على وجنتي الفرحة كلما رأيتها، لم يبخل عليّ بها عند مجيئه لزيارتنا مع عمي، كان خفيف الظل، يتقن الكلام المعسول إلى حد كبير، كان لتلك الكلمات وقع السحر على قلبي.. هذا ما جعلني أكنّ له مع الوقت حبًا، فهو أول حب وآخره، ولم أكن أدري لم استشعر أنه أيضًا يكنّ لي حبًا.

مع الوقت.. تكررت زياراته وأغلبها يكون منفردًا دون اصطحاب عمّي معه، اعتاد أبي على رؤيته كذلك، إلى أن جاء اليوم الموعود وتحدث معي في أمر يخصنا نحن لأول مرة بعد الكثير من الأحاديث الطفيفة والعابرة، فقد طلب مني رقم هاتفي ليحادثني في أمر ما يشكل اهمية بالنسبة إليه، وأعطيته.. ولم أنم تلك الليلة منتظرة مكالمته أو حديثه على الواتساب، وبالفعل كان حديثنا مطولًا إلى أن مرّ الوقت ووجدت الفجر قد حلّ.

لقد طلب مني رؤيتي في يوم خارج المنزل، وعندما تقابلنا، كانت النظرات بيننا كفيلة لتفي بالغرض والمراد، وأخبرني بحبه، وأخبرته أيَضًا، واتفقنا على الارتباط بعد إنهائه الجامعة، وبدأت قصتنا خفية.. لتُشكل أسعد لحظات حياتي على الإطلاق مع محبوبي الأول والأخير.

تعرفي أيضًا على: أيهما أفضل الزواج أم التعليم

تزوجنا بعد حب لسنوات

دامت قصة حبنا سنوات، فلم تكن مفاتحته لأبي عن زواجنا بعد إنهائه الجامعة، لأنه قد دخل الجيش ما يقرب من 3 سنوات، كما أنه سافر في عمل عوضًا عن أبيه لمدة عام واحد، أما عني في تلك الفترة فقد أنهيت دراستي وانتظرت.. انتظرت الكثير، فترة لم تمر سريعًا عليّ، كنت أشعر فيها بالحرمان من حبيبي الغائب، كان أتعس لحظاتها عندما يباغتني أبي أو أخي بعريس جديد يدق على بابي، وما يكلل الأمر إلا بالرفض منّي، تارة أتحجج بأعذار واهية، وتارة أخرى أجلس في المقابلة الأولى وأجزم لهم بعدم الارتياح.

لم أسأم من انتظاري لابن عمي طالما النتيجة هي زواجنا السعيد.. وعندما جاء من عمله راودتني الفرحة مرة أخرى، فأنا أنتظر أن يُحقق وعده، وبالفعل.. لم تمر أيام قلائل إلا وطلب من أبي خطبتي، في بداية الأمر لم يكن أبي موافقًا، فلم يراه أفضل من أولئك ممن سبقوه في طلبي، إلا أنه مع إصراري اللحوح، ورؤيته لفرحتي العارمة، وافق مع تحفظ بالغ، وبالفعل أنا وابن عمي قد تزوجنا عن حب.

علمت أن سعادتي لم تنته بعد، فأنا مع زوجي الذي انتظرته لسنوات، من جاء زواجنا بعد حب دفين، ربما لم نتقابل سوى مرات، إلا أنه كان حبًا صادقًا، ومرت الأيام على نحو جيد، إلى أن بدأ الشك يدخل أغوار قلبي يوم بعد يوم تجاه زوجي، وبدأت أحصد ثمرات السنوات التي انتظرتها الآن.

تعرفي أيضًا على: تجربتي في الزواج من متزوج

أخطاء تقتل الحب

رغم أننا تزوجنا عن حب ولكن لم أشهده جافيًا من قبل.. لم ذلك الجفاء؟ هذا ما تساءلته يومًا حينما كنتُ أجلس وحيدة شاردة، لمذا تركني في ليلة وذهب بعد مشادة كلامية بيننا، كان سببها غيرتي، لا.. بل كان هو السبب فيها.

لم يقنع بردة فعلي، فتركني وذهب دون أن يشغل بالًا على حالي، ولم تكن تلك المرة الأولى التي نختلف فيها، فهو يقترف تصرفات لم أفهمها، يتأخر في عمله دون مبرر، يحادث أحدهم على الهاتف بصوت منخفض ثم سرعان ما يغلق الهاتف إن رآني قادمة.

أليست تلك التصرفات مدعاة للشك والارتياب؟ ولم لا وهو في مرة عزم على المبيت خارج المنزل، وحينما سألته أخبرني أنها طبيعة العمل، وحينما اتصلت لأطمئن عليه، كان هاتفه مغلقًا دون ان يبالي بي.. مواقف كثيرة كانت تعزو إلى جفائه وسوء معاملته، وما إن أحزن وأُظهر له حزني يعكف على إصلاح الأمر بكلمات معسولة.. كتلك التي كان يرددها على مسامعي في بداية الزواج.

سألته يومًا.. أهذا هو الحب؟ أن تسمعني من الكلمات أعذبها أما المواقف فلا تُظهر من الحب شيئًا؟ حينها لم يستطع الرد عليّ، بل تركني وذهب ناعتًا إياي بالنكدية التي لا تدخر جهدًا لإسعاد زوجها، والتي تريده أن يكون برفقتها على الدوام دون النظر إلى انشغاله، أصابني اليأس من طبعه الذي لم أكن لأعلمه قبل الزواج ولم يتبين لي حتى ولو محض صدفة.

حينها تذكرت أنه لم يمر علينا مواقف تثبت لي ذلك من الأساس، ففي فترة غيابه لم يكن بيننا تواصل بقدر كبير، أما عن فترة مكوثه قبيل الزواج فقد كان انشغالنا بالتجهيزات يمنعنا عن التواصل في مواضيع أكثر أهمية من ذلك الكلام المعسول الذي لا يجيد غيره! كنتُ أبحث عن التواصل العاطفي الذي يُطفئ نيران حبي التي بدأ نشوبها لحظات انتظاره، فلم أجده.. كنتُ أبحث عن ذلك الأمان في أحضان حبيبي الذي أكنّ له مشاعر صادقة بحق، ولم أجده.

كان الحب زائفًا

لا أريد أن أُجزم هنا بأن كل العلاقات التي تقوم على الحب تبوء بالفشل، حتى لا تصيبكم تجربتي بالإحباط.. بل ما عانيت منه أنا كان نتاجًا لعدم إلمامي بالكثير من الأمور، علمتها آجلًا، فبالفعل أنا وابن عمي تزوجنا عن حب ولكن كان حبًا صادقًا مني وزائفًا من قِبله.. أدركت ذلك حينما علمت بخيانته، والتي كانت تسبق زواجنا من الأساس، فبينما كنتُ أنا في انتظار رجوعه، كان هو يطعنني في ظهري بخيانته لي.

نعم، حينما سافر لعمله، ارتبط بعلاقة مع امرأة أخرى كانت تعمل معه أيضًا، وحينما عاد لم يكن عازمًا على إتمام الأمر معي على محمل جاد، بل إثر إلحاحي ولهفتي إلى الزواج منه، قبل في داخله على مضض وأظهر لي الكثير من المشاعر الزائفة، لم يكن يعلم أنها زائفة حينها، فهو يراني ابنة عمه الجميلة التي تُحبه، وهذا الحب سيجعله سعيدًا بأي حال، إلا أنه خدعني حقًا ولم يصارحني بالأمر، فقد اكتشفته بنفسي.

فقد تغيرت طباعه، وكان ينظر إلى المادة أكثر من اهتمامه بالعاطفة، فكان يُهملني ويهتم بعمله فقط، وربما اهتمامه ذلك كان يشمل من خانني معها واستمرت خيانته حتى بعد الزواج.. علمت الأمر صدفة حينما وجدتهما معًا لمّا انتابني الشك وذهبت إلى عمله بغتة، لم يخونني بشكل كامل، فما بينهما كان علاقة عاطفية فقط نشأت إثر تقارب فكري بينهما، فكلاهما يُعطي اهتمامًا بالعمل أهدافهما مشتركة وطموحاتهما كذلك.

أما عن زوجته، لم يدخر من وقته للتفكير فيها، وقد نسي أنني أكنّ له الكثير، وفي الآونة الأخيرة ما كان يعاملني بلطف، بل أظهر من طباعه القاسية أمامي إلى الحد الذي أشعرني بالدونية والإذلال، فربما يمثل حبي إليه ثقلًا على قلبه وعاتقه.. وقد واجهني بذلك دون رفق منه بمردود كلامه على مشاعري التي وهبتها إياه.

تعرفي أيضًا على: الزواج من شخص مصاب بمرض ويلسون

تطلقت بعد عام من الزواج

كانت فترة ليست قليلة لأستشف فيها حقيقة مشاعري ومشاعره، فكان في نظري أننا تزوجنا عن حب ولكن ما كنت أتوقع لتلك النتيجة القاسية، فأين الاستقرار إثر ذلك الحب؟ فلم نمتَّ إلى الزوجين بصلة، حياتنا أشبه بالروتين الذي يؤلمني أنا ولا يُشكل له شيئًا.. كنت أخجل من مصارحة أبي وأمي بهذا الأمر، فأنا من تمسكت به وأصررت على الزواج به، وفي الوقت ذاته، أنا فقط من أشهد عواقب تسرعي وخطئي.

علمتُ أن الزواج القائم على الهيام وكلمات الحب والغرام والمشاعر الملتهبة يتجاهل أطرافه رغمًا عن إرادتهم بعض العناصر الأكثر أهمية في الشراكة بينهما، تلك التي تتجلى في التفكير والمبادئ والتقارب الروحاني والنفسي والاجتماعي.. فالاختيار حينما يعتمد فقط على الحب، ينتهي بزوال السبب، بينما القائم على الاشتراك في أمور كثيرة، لا ينتهي.

رغم أننا تزوجنا عن حب ولكن عزمت على الطلاق، ولا أخفيكم سرًا.. لم أجده متمسكًا بي قط، فقد أظهر أنه تفاجئ بالأمر، وهو يعلم أني أدركت حقيقة مشاعره، كانت تجربة قاسية بالفعل إلا أنها علمتني الكثير، فقد اختلف حكمي على الأمور لاسيما الفارق بين المودة والرحمة.. وبين الحب الذي جعله البعض مقتصرًا على الكلام المعسول، فتمسكوا بالظاهر وما بطن هو أعمق وأبقى.

فكنتُ مع التيار الجارف غير مدركة لحقيقة الزواج، فانتقاء زوج صالح يُكمل ما ينتقصني هو ما كان لزامًا عليه أن أفكر فيه، فالحب جزء لا كل.. وثمة أركان أخرى يُبنى عليها استقرار الزواج، بين احترام ومودة ورحمة وتقارب في كافة النواحي.

الحب عاطفة.. والعواطف متغيرة بطبيعتها، فلا يُعول عليه كقاعدة مؤسسة لرابطة الزواج، فلا يجب أن يكون وحده دافع الارتباط، فهناك قناعات أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار ضمانًا لنجاح العلاقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.